منتدى يجمع بين العلم و المعرفة يخدم جميع أبناءنا فى الداخل و الخارج و يمكنهم من التواصل بين أبائهم و معلميهم


    الفكاهة فن وفلسفة

    شاطر
    avatar
    ا/سهير الراوى

    عدد المساهمات : 101
    تاريخ التسجيل : 26/01/2010

    الفكاهة فن وفلسفة

    مُساهمة  ا/سهير الراوى في الأربعاء 10 فبراير - 14:26

    الفكاهة فن لا يجيده إلا القلائل من الناس، والفكاهة فلسفة لأنها يجب أن تكون تعبيراً عن موقف أو نظرة أو فكرة نتوسل بها بلطف ودقة، باللمح دون الإطالة، بالتلميح دون التصريح، وإذا خلت الفكاهة من بعض هذه العناصر، وهى أحياناً تخلو، جاءت ناقصة باهتة اللون، عاجزة عن الوصول إلى نفوس الناس وقلوبهم.

    والفكاهة بهذا المعنى توشك أن تكون تخصصاً فى أفراد بعينهم يبرزون فى أدب الأمة، وتتخذهم حكاياتها وأخبارها وسيلة من وسائلها فى التعبير عن المواقف المختلفة، وعن الظروف التى تمر بها هذه الأمة كذلك، سيكون لكل زمان فكاهاته وشخوصه الذين تسكب عليهم (الأمة) نوادرها وروح المرح التى تسود المجتمع.
    والفكاهة لا تترك أى جانب من جوانب المجتمع إلا ويكون لها وشخوصها فيه.

    كما أن لكل طبقة من طبقات المجتمع، مهما بلغت فى علو درجتها أو قدرها، سيكون لديها قسطها وموضوعاتها فى أدب الفكاهة.

    وقد أثبتت الدراسات وقراءة الكتب القديمة، أنه لم تسلم جماعة أو فئة مهما ارتفع قدرها منذ استتب الأمر للخلافة العباسية فى بغداد، وبدأت حركة الرواية والجمع والتأليف، وخاصة فى المستطرف لأبن الجوزى، وبات لكل فئات الشعب فكاهاته وحكاياته الظريفة، أو نقد ساخر يتناول شخصيات منها، ويقدمها للناس فى إطار ممتع وفكه، يستخلص الكتاب من حياتهم الطريف والظريف من الحكايات التى يضيفون عليها ويحذفون منها، حتى تقع فى النفوس موقع الفكاهة، التى هى من الفاكهة بالنسبة للمأكولات.

    والمسلمون قد بدأوا موضوع الفكاهة من حيث بدأت تلك المعارف فى الإسلام، أى منذ حياة الرسول الكريم (ص)، فيقولون: قال رسول الله (ص) لحنظلة:"ساعة وساعة" (جاء ذلك عند ابن الجوزىفى أخبار الحمقى والمغفلين) أى أن يراوح الإنسان فى ساعته بين الجد والترويح عن النفس، ذلك لأن النفس تمل من الاستمرار فى الجد، وترتاح إلى بعض المباح من اللهو.

    وسئل النخعى:"هل كان أصحاب رسول الله (ص) يضحكون؟" قال:"نعم والإيمان يملأ قلوبهم مثل الجبال الرواسى".

    وعن على بن أبى طالب أنه قال:"روحوا القلوب واطلبوا لها ظرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان".

    وروى عن خالد بن صفوان الخطيب:"لا بأس بالمفاكهة تخرج الرجل من حالة العبوس، فكما أن الفاكهة راحة للجسم فإن المفاكهة راحة للنفس.

    ولعل أطرف ما فى أدب الفكاهة "الاخبارى/المروى"، شخصيات يتخذها الناس وسيلة من وسائل تصويرها أو تصوير موقفهم منها، بإبراز الجوانب التى تثير سخريتهم أو نقدهم وضحكهم.

    ولم ينج أحد من ذلك، فالقضاة والفقهاء وأئمة المساجد والوعاظ، كانوا هدفاً للحكايات الفكهة الساخرة، بل لم يسلم الخلفاء أنفسهم من تناولهم كأبطال فى تلك المفاكهات، تعرض بهم أو تعبر عن رأى فى سياستهم وشخصياتهم غير مباشر.

    وقد تتخذ الحكايات والمرويات طابع المنشور السياسى المناهض لسياسة معينة، وقد تركز ذلك المنشور فى الصراع القائم بين الأمويين والعباسيين، وبعدها بين العلويين- وقد قامت الدعوة العباسية مستغلة عاطفة الناس نحوهم ثم أهملتهم- وبين العباسيين؛ وهم الخلفاء العظماء، وخاصة تلك النوادر التى تطعن فى الخلفاء بأنسابهم التى اختلطت بأنساب العجم، رغم كونهم من قريش أشراف العرب.

    وفى أوقات السلم الطويلة تتحول الفكاهات لتتناول الطفيليين والبخلاء والمحتالين والمهرجين من الشعراء والقصاص ومعلمى الصبيان، فإن هذه الشخصيات فى المجتمعات العربية الإسلامية أصبحت تستدعى التندر، وتؤلف عليها الحكايات والفكاهات بحكم ما يصدر عنها من أقوال وأفعال، وخاصة طبقة معلمى الصبيان فى الكتاتيب، الذين يعتمدون فى معاشهم على ما يأتى به تلاميذهم، وطول معاشرتهم للصبيان تهبط بدرجة تفكيرهم إلى أسفل، فيصفونهم بالغفلة، خاصة وأن معلم الصبيان لا يهمه من الحياة إلا أن يبحث عن استكمال رزقه وسد حاجاته، وتحصيل هذا الرزق بالإلحاح والتهديد والوعيد، مما يوجد مادة خصبة ومتنوعة يعتمد عليها الرواة فى الإتيان بكل ما هو ظريف ولطيف ومستطرف فى هذا المجال.‏‏

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 19 سبتمبر - 13:50